h1

دموع

مارس 14, 2008

الدموع سائل من سوائل الجسم تتواجد في العين لترطيبها وتعقيمها إذ أنها تحوي على الكثير من الأجسام المضادة التي تحمي العين من الميكروبات والفيروسات.

هذه هي فائدة الدموع حيويا، ولكن لو القينا نظرة على فائدتها من الناحية السيكولوجية لوجدنا ان فائدتها أعظم لأنها -ومن وجهة نظري- تفريغ للشحنات السلبية، والحزن والأحاسيس اليائسة. وهذا ما نسميه البكاء. ولان جميعنا يملك أحاسيس ومشاعر وأيضا غدد دمعية، فإننا جميعا نبكي، وأول نشاط حيوي فعلناه عند ولادتنا هو التنفس والبكاء. وبعضنا يقول – وانا منهم- أننا نبكي لنرتاح. ولكن ماذا لو عجزنا عن البكاء؟!

في صغري ولكوني الأصغر من أخوتي والفتاة بين الفتيان كنت المدللة و “فتاة الدموع”! أخذ شخص مني لعبتي، أبكي! لم يشاركونني باللعب، أبكي!! وتم هذا الحال حتى سن كبيرة إلى أن ذهبت للمدرسة، وهناك وإذا ما صادفتني مشكلة ما.. وبالأغلب على ما أذكر بسيطة أو سخيفة كنت أمسك وأتحكم بأعصابي إلى أن أصل للبيت وهناك أفتتح مسلسل الدموع عند والدتي..

وببداية أيام المراهقة، كنت مرهفة الحس سريعة التأثر كحال أي مراهقة، إلى أن حدث يوم شاهدت فيه فلم عن صبي يصارع الفقر للحياة، تأثرت كثيرا وبدأت بالبكاء والعويل ودموع تسري على خديّ، كان أبي لا يزال على قيد الحياة في ذلك الوقت ورآني وأنا أبكي، سألني عن سبب بكائي وغمرني بحنانه وحبه الذي يكفيني لأعيش العمر كله حتى بدون حنان وحب أي رجل آخر. قلت له عن الفلم الذي كنت أشاهده فأخذني من يدي وبدأ يكلمني يفهمني بهدوء وجهة نظره قائلا: الأفلام.. والمسلسلات وجميع هذه المواد تصنع لنا ونحن نشاهدها أو نقرأها لكي تسلينا وتبعد عنا هموم دنيانا.. فإذا تابعناها وزادت علينا الهموم فما الفائدة إذن.. فليبق كل شخص بهمة فهم كل واحد يكفيه ولا حاجة للزيادة. ومن هنا وعدت والدي ومن قبله نفسي أني لن أبك على شيء لا يستحق مثل قصة أو مسلسل كئيب أو حتى فلم كفاح.

بالحقيقة لم أفهم المغزى من كلام والدي إلا بعد فترة حين بدأ المرض يتسلل ويتلاعب بجسده، وعاش ثلاث سنوات مع المرض وأربعة أشهر مع الجلطات الدماغية التي أفقدته حاسة البصر والحركة، كنت في نهاية الصف الأول ثانوي أقدم الاختبارات النهائية من الفصل الدراسي الثاني، وكان قد بلغ به المرض لحد وصل به أنه لا يقوى على النوم في غرفته أو استقبال احد أهله وزائريه وهو جالس على كرسي، فلذا خصصنا أحد المجالس له ووضعنا له سريرا خاصا. كنت أجلس أذاكر بجانب سريره أراه يعاني ويجاهد للحياة، أنهي دراسة المواد التي سأقدم الاختبار فيها وفي بالي شك بأني سأقدر على ذلك. لم أكن أبك لأني أعلم بأني لو بكيت سأخسر.. ولن أستطيع التركيز في المذاكرة. كنت كل ليلة أدعي الله فيها أن يوفقني بالاختبار ويرحم والدي من هذا العذاب مع المرض. تزورنا أختي الكبرى وتغادر البيت باكية، وفي المستشفى.. كان الكل يبكي وانا أظل ساكته وكأني لست معهم لأني لم أصدق أو استوعب ما حصل.

وعندما توفى –رحمه الله- عصر يوم الاثنين الثالث عشر من سبتمبر عام 2004 كان ثالث يوم من العام الدراسي الجديد، جلست عصرا وكان البيت خاليا وانا أعلم بذلك مسبقا كنت انتظر المغرب يحين حتى أذهب مع أخي مصطفى لزيارته، جاءتني زوجة أخي وأخبرتني بالنبأ لم أستوعب قمت عنها وذهبت لغرفته أو للمجلس الذي جعلناه غرفته، وجلست على السرير الخاص للمرضى لم تنزل غير دمعتين أو ثلاث، وصلت أختي ولأنها كانت في حالة يرثى لها لم أجد منها أي مواساة، وصلت عدد من نساء عائلتي ولم تصل بعد أمي. وعندما وصلت جاءتني ضمتني إليها قلت لها: لا أريد أن أبكي يجب عليّ أن لا أبكي.

مرت فترة العزاء ولم يخرج من عينيّ إلا دموع قلائل، غير اني كنت متعبة وأعاني من أزمات حادة في الربو. مرت الأيام وإذا بي أكتشف نفسي بأني لا أستطيع البكاء! أغضب وتثور ثائرتي مرارا وتكرارا في مواقف جديرة بالبكاء بدل الغضب. لا أبك إلا في حالتين.. الأولى هي حضن أمي، أو حتى صوتها حين تسألني بالمكالمة الهاتفية: فيك شيء؟ أو ما الخطب؟ وأنا حاليا بعيدة عنها وهي مشغولة بعض الشيء عني، أو لأني قد أعجز في بعض الأحيان عن توصيل السبب الوجيه لرغبتي بالبكاء فابعد نفسي عن حضنها لكي لا أسبب لها الحيرة والخوف، والحالة الثانية.. -وأنا أشعر بالإحراج منها- سبب تافه حقير.. يبكيني!! ولكن بكاء لا ينفع لأنه بأسباب غير جديرة بالذكر. ربما تكون هذه هي تركيبة نفسي أبكي للأسباب التافهة أما الأسباب الحقيقية والتي لها الأثر العميق أفعل أي شيء وكل شيء بالمشاعر التي تجتاحني والتي تشحن بها روحي لكي أخرجها إلا البكاء وهذا مالا أقدر عليه. وربما أني استطعت أو كيّفت نفسي في زمن ما أن أكون صلبة أمام المواقف الصعبة ولم أستطع بعدها أن أترك هذا التكيّف!

البكاء راحة، عندما تبكي ساجدا خاشعا لله عند الله هذه قمة الراحة، وبسبب الشيطان الرجيم والنفس الأمارة بالسوء فهذا البكاء لا يقدر عليه أي شخص إذ يجب عليك ان تصل لمستوى من الخشوع والاتصال الروحاني مع الله عز وجل. عندما تبكي فرحا فهي بالتأكيد راحة، وعندما تبكي حزنا فتأكد أنه من حقك عليك لكي تزيح عن نفسك بعضا من ما يضايقها. لذا، فابك ما دمت تقدر على البكاء ابك.

2 comments

  1. هدى ..

    أحببت أن أقول أنك إنسانه عظيمه ..

    فقط أنتي عظيمه ..

    واغفري لتكسر حروفي هنا فما زلت تحت تأثير حرفك سيدتي ..


  2. تحيه قووووية ياهدى
    رائعة جـــــــدا رائعة
    جميل جــــدا أن يملك أحدنا القلم ليبوح عما يعتلج صدره ويجوب خاطره..
    ويحكي لنا حكايا عاشها خلال ايام عمره
    وأن يملك القدرة ليسجل أحداثاً من تاريخنا العائلي ومقفه أنذاك..

    أشجتني كلماتك..

    أجدتِ البوح إبنة عمي العزيزة..

    إبنة عمك:سكينة


أترك تعليقا